خارج مظلة سويفت: العالم يفتش عن بدائل للدولار بكود رقمي

بعد عودة دونالد ترامب من زيارته للصين بخفي حنين حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض شروطها القديمة بلغة العقوبات ومع بدء التراجع الفعلي للدولار كعملة الاحتياطي النقدي العالمي وتآكل النفوذ المطلق للإمبراطورية الأمريكية جعلني هذا المشهد أتسائل عن عالم لم يعرفه أحد على قيد الحياة اليوم، عالم بدون الدولار كعملة الاحتياطي النقدي للجميع.

في نوفمبر 2012 تلقيت بريداً إلكترونياً من صديق أناركي، كان يحاول بحماس شديد إقناعي بالعمل معه على بروتوكول لعملة رقمية جديدة مستوحاة من أفكار ساتوشي ناكاموتو. كان يتحدث بيقين طوباوي عن "سلاح تقني" سيسحب سلطة إصدار النقد من البنوك المركزية ويعيد الحرية للأفراد عبر شبكات البلوكتشين.

بالرغم من انبهاري بتقنية البلوكتشين نفسها، رفضت دعوته لعدم اقتناعي بفكرة اللامركزية أو كما أسميها العملات "المستقلة". لست خبيرا ولا دارسا للاقتصاد ولكن كما علمتنا زكية زكريا فطالما لن أتمكن من استخدام العملة في التبادل التجاري مع محل بقالة شارعنا فليس للعملة معنى. 

دون اعتراف الدولة والمجتمع بعملة ما، ستتحول تلك العملة إما إلى وثيقة تبادل غير رسمية تستخدم في الاقتصاد الغير قانوني أو إلى مخزن للقيمة. تخيل أن تعيش في مصر وتحتفظ بملايين الفرانكات الرواندية الرسمية، لن تستطيع المبادلة بتلك الفرانكات في مصر ولكنك ستحتفظ بقيمتها حسب نمو/انكماش الاقتصاد الرواندي حتى تستطيع مبادلتها في يوم ما إما بعملة أخرى أو بمخزن قيمة آخر.

بعد مرور السنين لم تحدث أي مفاجآت تذكر، تحول البيت كوين إلى وثيقة للتجارة الغير قانونية لا يمكنك مبادلته سوى بالمخدرات عن طريق شبكات الديب ويب وبعد بضع سنوات استولت عليه المؤسسات الرأسمالية الأمريكية فدخل في مرحلة التحول إلى مخزن للقيمة والمضاربة. لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقعها هو أن حلم السايفربانكس القديم الذي نتج عنه تقنية البلوكتشين لإسقاط البنوك المركزية سيتعرض لهذا الاستيلاء من قبل الدول بدلا من محاربته.

شروخ في عرش الدولار.. السلاح الذي ارتد لصدور صاحبه

لكي نفهم هذا الهبوط المتسارع لعقد "بريتون وودز" و"البترو-دولار"، علينا أن ننظر إلى كيف تآكلت "الباكس أمريكانا" (Pax Americana) من الداخل بسبب إفراط واشنطن في استخدام قوتها.

طوال العقود الماضية، تحول نظام "سويفت" SWIFT للمراسلات البنكية من أداة تقنية لتسهيل التجارة إلى سلاح عقاب سياسي. أي دولة ستخرج عن الطوع الأمريكي، سيتم عزلها مالياً بضغطة زر من واشنطن كما حدث مع روسيا بمجرد بدأ حربها مع أوكرانيا وكما يحدث مع إيران منذ 2012. هذا الإفراط خلق حالة من الذعر الجماعي لدى القوى الصاعدة عالميا حيث أدرك الجميع أن سيادتهم رهينة لمزاج المشرع الأمريكي.

من هنا تحولت حركة التراجع عن الدولار De-dollarization من شعارات سياسية إلى خطة طوارئ حتمية. وكان البحث جارياً عن بنية تحتية بديلة تماماً تنهي هذا الاحتكار، وهنا فتحت التكنولوجيا اللامركزية باباً لم يكن في الحسبان.

العقلية الصينية.. الكود الأناركي في خدمة الدولة المركزية

التقى التخطيط الصيني مع تكنولوجيا الكريبتو/بلوكتشين التي ولدت من رحم حركة "السايفربانكس" (Cypherpunks). هؤلاء المبرمجون اخترعوا البلوكشين والتعمية لإلغاء سلطة الدولة على النقود. لكن بكين رأت في هذه التكنولوجيا البنية التحتية الملائمة لنظام مالي جديد.

لم تتبنى الصين العملات الرقمية بشكلها اللامركزي، بل حظرت تعدين البيتكوين والمضاربة فيه لتفرغ الساحة لمشروعها الأكبر: اليوان الرقمي (e-CNY). تلك العملة الرقمية التي يصدرها البنك المركزي الصيني سوف تكون نواة النظام المالي الصاعد الذي تسعى الصين لتعميم استخدامه عبر مؤسسات الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق، ولكن العملة الرقمية وحدها ليست كافية دون نظام لمبادلة تلك العملة عبر الحدود وهنا جاء نظام mBridge

مشروع mBridge الصفعة الجديد للهيمنة المالية الغربية

بدأ مشروع mBridge كشراكة بين معهد العملات الرقمية التابع لبنك الشعب الصيني وبنوك تايلاند وهونج كونج والإمارات، وتحول إلى منصة صاعدة مع انضمام البنك المركزي السعودي كعضو مؤسس كامل في صيف 2024. المنصة لم تعد تجربة تقنية، فبحسب البيانات المتاحة حالياً في مايو 2026، نجحت mBridge في إنجاز معاملات تجارية حقيقية تجاوزت قيمتها 55 مليار دولار، مما يثبت أن النظام الرقمي أصبح يعمل بكفاءة تفوق نظام SWIFT في جزئية تبادل الأموال.

عبر mBridge، تستطيع البنوك في الدول الأعضاء تسوية المعاملات التجارية الضخمة وعلى رأسها صفقات النفط والغاز مباشرة عبر تكنولوجيا البلوكتشين باستخدام العملات الرقمية للمصارف المركزية مثل اليوان الرقمي والدرهم الرقمي والريال الرقمي. هذه الآلية تلغي الحاجة للمرور بنظام "سويفت" الخاضع للرقابة الأمريكية والذي يعتمد على الدولار كعملة وسيطة في كل المعاملات.

ومع ذلك، تقتضي الواقعية الاقتصادية الاعتراف بأن mBridge لا يمثل حتى الآن بديلاً كاملاً لنظام سويفت، فالمنصة ما زالت في طور النمو، وتفتقر إلى عمق السيولة والانتشار الكبير الذي يمتلكه سويفت. علاوة على ذلك، فإن النظام المالي الغربي لم يقف متفرجاً بل أطلق ردّه الدفاعي عبر مشروع أجورا Project Agora.

مشروع Agora هو المحاولة الغربية لتحديث النظام القديم من خلال دمج العملات الورقية التقليدية (Commercial bank money) والمصرفية المركزية (Tokenized central bank money) على منصة رقمية موحدة لسد الثغرات التاريخية في نظام سويفت التي تستخدمها الصين كذريعة للانتقال لنظام جديد (مثلا، التحويل المالي عبر سويفت قد يحتاج إلى أيام بينما على نظام mBridge سيتم في ثواني)

المعركة الحالية ليست مجرد صراع عملات، بل هي حرب بنى تحتية رقمية حيث تحاول واشنطن عبر Agora ترقيع جدار سويفت المتآكل والحفاظ على مركزية الدولار، بينما تدفع بكين وحلفاؤها عبر mBridge لخلق طرق تجارية التفافية تخرج النفط الخليجي والتجارة الآسيوية تماماً من الرقابة الأمريكية. 

هبوط الدولار كعملة احتياطي عالمي لن يحدث بين عشية وضحاها، لكن ارتباك الحسابات في واشنطن يكمن في أن البديل المالي والتقني أصبح حقيقة ولم يعد مجرد أمنيات أو مبادرات.

موت يوتوبيا السايفربانك

بينما كانت الدول الصاعدة تؤمم التكنولوجيا لإعادة رسم خريطة العالم، كان الكريبتو "الأناركي" التقليدي يمر بأكبر عملية تدجين واستسلام في التاريخ، مخلفاً وراءه أوهام الاستقلال المالي للفرد.

تم ابتلاع الكريبتو بالكامل من قبل وول ستريت عبر صناديق الـ ETFs. الأداة التي خُلقت لإلغاء الوسيط المالي، تحولت إلى فئة أصول في خزائن مؤسسات مثل "بلاك روك". تم مأسسة الكريبتو وسحق فكرته سياسياً ليتحول إلى مجرد وعاء ادخاري يخضع لرقابة هيئة الأوراق المالية الأمريكية SEC وقوانين الضرائب، بينما تحول مبرمجوه المتمردون إلى جماعات ضغط تشتري أصوات السياسيين في واشنطن.

وبالتوازي مع عملية التدجين التدريجية تلك من قبل المؤسسات الاستثمارية الغربية تراجعت الإمبراطورية الأمريكية، وبدأ الدولار في الهبوط معها عن عرشه، لكن هذا التحول الجيوسياسي لن يقودنا إلى يوتوبيا الحرية واللامركزية التي حلم بها صديقي في 2012.

لم تسحق الرأسمالية والدول الوطنية الكود البرمجي للعملات الرقمية اللامركزية، بل حوّلته إلى سلاح عبر عملات البنوك المركزية الرقمية (CBDCs) التي تقود الصين طفرتها.

بينما يبدي الكثير من المحللين قلقهم من أن لا تكون أموالك حرة في النظام الجديد بسبب قدرة الدولة على تجميد محفظتك فورا إن خرجت عن الخط أزعم أن للدولة بالفعل القدرة على تحقيق درجة كبيرة من التحكم منذ سنوات مع تحول جزء كبير من معاملاتنا المالية إلى نظم إلكترونية عن طريق بطاقات الإئتمان أو تطبيقات تحويل الأموال مثل انستاباي أو محافظ شركات الاتصالات.

على كل حال، أعتقد أن تلك المخاوف بعيدة عنا كمصريين لأن وضع مصر الاقتصادي والمالي لن يسمحا في أي وقت قريب من إصدار عملة رقمية من البنك المركزي المصري والانضمام لنظام mBridge بالرغم من النمو الاستراتيجي الملحوظ في علاقتنا التجارية مع الصين وانضمامنا لمحور البريكس. وبالرغم من تلك المخاوف المشروعة إلا أنني أتمنى رؤية مشاركة مصر في تلك الأنظمة المالية لنحقق جزءا من الاستقلال الرقمي عن الجبهة الغربية المتهالكة. 

نقترب كل يوم من عالم قد لا تضطر الدول فيه ربط عملتها بالدولار، هل ستعود الدول إلى ربط العملات بالذهب؟ أم بعملة رقمية جديدة كليا؟ هذا ما سيتضح في السنوات القادمة إذا ما نجحت التجارب الصينية في تحييد النظام المالي الغربي القديم أو على الأقل إضعافه.