بين ابن الهيثم وابن العوضي كيف ينقذنا المنهج العلمي من الدجل

انتشرت منذ فترة ظاهرة نظام غذائي يدعي شفاء جميع الأمراض تقريبا، طوره ونشره الطبيب المصري ضياء العوضي. اتخذت نقابة الاطباء المصريه قراراتها بمعاقبة ضياء العوضي نظرا لخطورة نظامه الغذائي على الصحة العامة وعدم تقديمه أدلة كافية من وجهة نظرهم لإثبات صحة نظريته الغذائية.
عاد النظام اليوم ليتصدر المشهد مرة أخرى بعد وفاة العوضي في ظروف غامضة بمقر إقامته في الإمارات، وبالطبع تسببت الوفاة بانتشار نظريات مؤامرة جديدة حول اغتياله من قبل إما مافيا شركات الأدوية أو مافيا شركات البانيه.
ليس العوضي أول طبيب يدعي معالجة جميع الأمراض بل تتكرر هذه الظاهرة كل بضعه أعوام سواء بتقديم نوع جديد من الأدوية (حساسين) أو المكملات الغذائية التي تدعي تحسين حالة الإنسان الصحية بشكل عام (حتى لا تقع تحت طائلة القانون إذا ما ادعت الشركات معالجة مرض بعينه) وتسويقها عبر قنوات التلفزيون الرخيصة أو منصات التسويق الإلكتروني.
عادة مع هذه الظواهر أو مع أي اكتشاف علمي جديد أجد نفسي بحاجة لممارسة تمارين ذهنية ونفسية حتى لا أنساق وراء حملات السخرية والميمز قبل أن أتساءل عن الادلة العلمية وراء "الاكتشاف".
تاريخ العلم
تاريخيا كانت المسلمات العلمية تبدأ من نظرية وضعها عالم ذو حيثية في مجتمعه وزمنه، وجهة نظر هذا العالم فقط (ما عرف بعد ذلك فلسفيا بالدليل المتناقل Anecdotal fallacy) كانت كافية للتعامل مع فرضيته كحقيقة علمية ولكن كثيرا ما ثبت خطأ تلك المسلمات عند تعرضها لاختبار حقيقي (مثل نظرية الأخلاط والحجامة).
قبل مئات السنين لم تكن بحاجة سوى للصدفة البحتة كي تتحول من دجال إلى طبيب، يأتيك مريض بأي مرض يستطيع جسم الإنسان محاربته وحده بينما تصف للمريض أي وصفة تخطر على بالك (الكفتة بالشاي الأخضر)، سينجح جهاز مناعة المريض في شفائه بينما ينسب النجاح لوصفتك، وكلما اجتهدت في نشر وصفتك كلما استقرت في الذهن الجمعي ونسب إليك أنك عالم وربما استخدم السلطان وصفة الكفتة فاستحسنها لتٌفتح لك أبواب الجنة. من بين تلك النظريات جاءت اكتشافات حقيقية عن طريق الصدفة وكانت تلك الاكتشافات سببا في التقدم منذ فجر التاريخ ولكن الاعتماد على الصدف جعل التقدم العلمي في غاية البطء حتى جاء المنهج العلمي.
الحسن بن الهيثم
واحدة من أهم أركان الدجل هي الأوهام دينية (تسمية النظام الغذائي تيمنا بجملة قرآنية) ولذلك قررت اليوم أن ألعب نفس لعبة الدجالين، سأتجاهل كل مساهمات علماء العالم كله وأركز على العالم المسلم الحسن بن الهيثم.
أسس ابن الهيثم في كتابه المناظر لواحدة من أهم ركائز المنهج العلمي، التجريب والشك بدلا من المشاهدة الفردية. لديك نظرية ما عن العالم؟ حسنا، سيقوم ابن الهيثم بإخضاع تلك النظرية للتجربة ومن ثم تغيير ظروف التجربة وتسجيل النتائج في كل مرة حتى يصل إلى معادلة يمكن قياسها وبالتالي إثبات صحة أو خطأ نظريتك العلمية.
تطور المنهج العلمي عبر مئات السنين وساهم العلماء كل في مجاله في وضع شروط أكثر تطورا وتعقيدا لإثبات صحة أو خطأ أي نظرية واستخدم المنهج العلمي في كل جامعات ومراكز الأبحاث حول العالم.
نجح المنهج العلمي في تأسيس قاعدتين في غاية الأهمية في رأيي، شخص العالم ليس طرفا في صحة أو خطأ نظريته والمشاهدات الفردية ليست دليلا كافيا دون التجارب المطولة.
لذلك لا يعنيني شخص ضياء العوضي أو زغلول النجار أو غيرهم عندما أسأل عن نظرياتهم. قد يكون الشخص طيب الخلق، حسن السيرة، خفيف الظل، ولكن كل هذه الخصائص ليست طرفا في المعادلة عندما نقوم بفحص فرضياته.
وقد يتحسن شخص ما بعد اتباع حمية غذائية معينة، لكن بدون إجراء تجارب على مئات الأشخاص ومراقبة تطور حالتهم الصحية بعد اتباع الحمية لا يمكن اعتماد صحة النظرية وراء تلك الحمية.
مافيا شركات الأدوية
كان المنهج العلمي السبب في غالبية التطور الذي ننعم بنتائجه في القرنين الماضيين فإذا ما نظرت حولك في أي مكان ستجد نتائج هذا المنهج في الطب، الهندسة، العلوم الطبيعية، الاتصالات، وغيرها من مجالات المعرفة البشرية.
يكفي لك أن تعرف أن متوسط أعمار البشر قبل مئتي عام كان 30 - 40 سنة بينما متوسط الأعمار الآن 73 - 75 سنة. ولكن المنهج العلمي بالفعل ليس كافيا في حد ذاته للحماية من تدخل مافيا رأس المال.
هناك شئ من الحقيقة وراء نظريات المؤامرة المتعلقة بالشركات العملاقة، كثيرا ما اكتشفت حالات للتلاعب وإخفاء للحقيقة عن الجمهور أو الأجهزة الرقابية من أجل أرباح الشركات الرأسمالية. مثلا عندما تلاعبت شركة Purdue Pharma بنتائج الأبحاث ودفعت رشاوي لتخفي حقيقة أن مسكن OxyContin يسبب الإدمان
أو عندما حاربت الولايات المتحدة مصل شلل الأطفال السوفيتي حتى لا يظهر للعالم أي نجاح علمي من المعسكر الشيوعي
https://en.wikipedia.org/wiki/Cold_War_tensions_and_the_polio_vaccine
لذلك فأي تقديس كامل لقرارات المؤسسات العلمية ليس بالقرار الصحيح بل يعتبر مناقضا للمنهج العلمي في حد ذاته. يجب دائما عند الوقوف أمام ادعاءات علمية سواء كانت من مؤسسات أو أفراد التساؤل، هل تم اعتماد المنهج العلمي من النقد والاختبار قبل الوصول إلى هذا الادعاء أم لا؟
ليس العوضي أول ولا آخر الدجالين وشخصه لا يجب أن يكون موقع التفنيد وإنما يجب تفنيد نظرياته والتساؤل هل اعتمد أي منهج قبل الوصول إلى نتائجه المزعومة أم لا وهل لديه الاستعداد لعرض تلك التجارب ونتائجها على الجميع أم لا؟
في عالم مثالي يكمن الحل في استقلال المؤسسات الرقابية والأجهزة الحكومية المسئولة عن الصحة العامة وتأميم صناعة الدواء والرعاية الصحية لتصبح صناعات غير ربحية ولكن في ظل غياب تلك الحلول يجب علينا بذل مجهود فردي قبل تصديق أو تكذيب أي أخبار علمية، يكمن هذا المجهود في التساؤل عن التجارب التي أجريت ونتائجها بدلا من اللجوء إلى المشاهدات الشخصية أو الثقة في كاريزما صاحب الاكتشاف.
إن صراعنا الحقيقي ليس موجهاً ضد شخص ضياء العوضي، أو أي مدعٍ آخر يزعم احتكار الحقيقة المطلقة عبر مقاطع فيديو لحصد الريتش. إنما تكمن المعركة الفاصلة في الاختيار بين الارتهان للشخص وبين الولاء للمنهج. لقد ورثنا عن ابن الهيثم ما هو أثمن من نظريات الضوء، ورثنا منه درعاً فكرياً يقي عقولنا من الانخداع ببريق الكاريزما وصخب نظريات المؤامرة. فالعلم لا يلزمنا بتقديس المؤسسات الرأسمالية، بل يحثنا على ألا نرتمي في أحضان الخرافة لمجرد دغدغتها لمشاعر العاطفة أو الدين. النجاة الحقيقية تفرض علينا أن نكون خصوماً لكل ما نطلع عليه، حتى يبرهن الدليل القاطع على صحته.
مدونة بودي